top of page

هل قلقك مفيد أم ضار؟

بقلم: أميرة عيسي

اختصاصية تعديل السلوك واستشارية علاقات اجتماعية وأسرية

القلق جزء من طبيعتنا البشرية ووظيفته منذ الازل هو الحفاظ على حياتنا من الخطر. خوفك الكبير علي حياة طفلك عندما كان رضيعا ربما قد حرمك النوم لشهور وأضاف لوجهك بعض الهالات السوداء ولكنه حماه من الأذى وأبقاه على قيد الحياة. قلقك من الرسوب في الامتحان دفعك للاستذكار والتركيز، وفعلا نجحت وتغيرت حياتك للأفضل. خوفك من التعرض لحادث على الطريق، ابقاك مستيقظاً على الطريق السريع وانت مسافر طوال الليل وبالتالي حافظ علي حياتك. آذن الخوف فطرة أساسية وظيفتها ابقاءنا على الحياة بشكل عام وعلى صحتها وصالحها في شتي مناحي الحياة. ٬إذا يحدث اذن في حالة اضطراب القلق او الخوف المرضي؟

كيف يحفزك مخك علي القلق؟

المخ هو المدير العام للجسم كما نعلم ودوره الرئيسي هو ادارة كل الأعضاء بشكل يضمن الحفاظ علي حياتك وصحتك وعلي من تحبهم بالأكيد. لذلك يقوم بإرسال إنذارات لأعضاء الجسد الأخرى لحظة ادراكه لأي خطر خارجي، فاذا كان هناك حيوانا مفترسا يلاحقك، ستجري أفضل من العداءين المحترفين على الأرجح او ستتجمد في المكان وتتظاهر بالموت. واذا كنت مثلا مصاباً باضطراب تشتت الانتباه ولا نلاحظ التفاصيل، ستشاهد هذا الاضطراب ينسحق عندما تكون بصحبة طفلك في مركز تسوق او حديقة ملاهي مزدحمة. و ستبقي انتباهك علي طفلك وكأنك حارس شخصي محترف ذلك لأن مخك يرسل دعم زائد لأي مركز يحتاجه لواجهة ما يراه مخك خطرا وفي تلك الحالة فان مراكز التركيز في المستعمل علي مستوي اعلي من عادتها. وظيفة مخك باختصار هي ان يبقيك حياً لا ان يبقيك سعيداً. وهنا قد يبدأ الاضطراب إذا اساء المخ تقدير الموقف او حجم الخطر.

كيف يحدث الاضطراب؟

الفص المركزي بالدماغ هو الجزء المسؤول عن ملاحظة الخطر او الأذى المتوقع في البيئة الخارجية وكذلك التذكير به مستقبلاً وتحفيز الجسم على اتخاذ خطوات دفاعية سواء عن طريق الهروب أو التجمد أو القتال وكآنه جرس الإنذار في الجسد.

الا ان وظيفة الفص المركزي قد يحدث بها بعض الخلل اما لأسباب وراثية او أسباب اختبارية مرتبطة بالتعرض لتجربة اليمة أو صدمة.

في حالة العامل الوراثي نجد ان الشخص الذي يعاني من اضطراب القلق وبرغم عدم تعرضه لصدمات نفسية او جسدية، يظل متوقعا للأسو ومتحفزا تجاه بعض الأنشطة او التصرفات التي يتعامل معها المخ وكآنها مصدرا متوقعاً للأذى ولكن تختلف حدة الاضطراب من منش شخص لآخر.

في حالة الصدمة العنيفة واذا فشل المخ في حماية الانسان وقتها، يخزن الفص الامامي كل المعلومات المرتبطة بالواقعة من رائحة، صوت، صور ثم يستدركها لاحقاً وقت وجود تشابه في الظروف المحيطة بموقف ما بنظيرتها التي أحاطت الواقعة المؤلمة. وبمجرد ان ان يرصد تشابهاً، يطلق إنذارات تحذيرية ضد الخطر الزائف محاولة منه من منع تكرر التجربة السابقة.

للأسف لا يستطيع المخ التعافي الكامل بعد الصدمة وقد يبدأ في إنذارات تحذيرية خاطئة ويصبح أشبه بالمنبه المكسور.


بعض الأمثلة على حدوث اضطراب في أداء الفص المركزي بعض الصدمات:

1. طفلة كانت بصحبة أمها في المصعد وعند لحظة الخروج، اغلق الباب عليها بعد ان خرجت أمها وصعد المصعد لدور اخر وكان هذا في بناية كبيرة لا تعرفها الطفلة وسريعاً ما تدخل الأمن واحضرها لأمها. إلا انه بعد الحادث، أصبحت الطفلة تخاف من الدخول الي المصعد حتى في بنايتهم التي تعرفها جيدًا. لقد حول المخ حادث انفصال الطفلة عن أمها الي خوف مرضي من أي مصعد وأي مكان مغلق. لقد أصبح لدي هذي الطفلة ما يعرف بالفوبيا من الأماكن المغلقة وهو اضطراب قلق مرتبط بمكان او شيء معين وليس عاماً.

2. طفلة تعرضت لسوء المعاملة والتنمر في المدرسة من اصدقاءها لعدة سنوات. عندما انتقلت الي مدينة جديدة ومدرسة جديدة، بدأت تظهر عليها اعراض القلق الاجتماعي وهو قلق مرتبط بالتواجد في مجموعة وقد يشمل محاولة تجنب الاختلاط بالآخرين او التحدث داخل الفصل الدراسي خشية السخرية او التنمر وشمل شكوكاً في محاولة اصدقاءها الحاق الأذى بها او التحدث عنها بشكل سلبي في غيابها. في هذه الحالة، قد ربط المخ هنا بين الرفاق والأصدقاء وتوقع الأذى. وبمجرد تواجد عوامل تشابه مع مجموعة الرفاق السيئة من الماضي، يحدث الخوف غير المنطقي. العوامل المشتركة هنا شملت طبيعة الدائرة الاجتماعية(الرفاق)، والمكان (المدرسة) والارتباط العاطفي (هي تحبهم كما كانت تحب رفاقها القدماء).

العلاج بالأدوية

في حالات الخلل الوراثي خاصة إذا كان الخلل قوياً، يمكن ان يستفيد المريض من بعض مضادات القلق ولكن الكثير منها له تأثيرات جانبية سلبية كزيادة الوزن والخمول وغيرها.

العلاج بالجلسات النفسية

يعد العلاج بالجلسات النفسية هو الأكثر نجاح ودواماً علي مدي البعيد لأنه يُعلم المريض مهارات يمكنه الانتفاع بها حتي بعد توقف الجلسات والي مدي الحياة ويساعده علي فهم نفسه ودوافعه وارتباط تصرفاته بمشكلات الطفولة او التجارب الأليمة السابقة التي مر بها ويخزنها عقله الباطن بدافع حمايته في المستقبل. الجلسات النفسية يمكنها إعادة برمجة المخ بحيث يتوقف عن إساءة الحكم علي بعض الاحداث أو الأشخاص واعتبارهم مصدرا للخطر، ويعيد تدريب الجسم على التأني في ردود الأفعال وعلي تحويل مسار الاعصاب والأعضاء الي حالة أكثر استرخاءاً.

بعض أنواع الجلسات العلاجية:

  • العلاج الإدراكي السلوكي

يتعلم المريض من خلال هذا النوع من الجلسات تفنيد أفكاره وفهم تأثيرها على عواطفه وكذلك وردود أفعاله بالتبعية. يتعلم المريض ايضاً جمع البراهين على صحة ما يؤمن به من عدمها. فيكتسب مهارة يمكن اختصارها فيه.

  • العلاج الجدلي السلوكي

وفيه يتعلم المريض عن رد فعل جسده تجاه المؤثرات الخارجية التي تسبب له الهلع وعلاماته كارتفاع حرارة الجسد وتقلص العضلات وجفاف الحلق وما الي ذلك. يتعلم المريض ايضاً كيف يتقبل تلك العواطف على انها عرض وليس جزءً من شخصيته وتكوينه وبالتالي يستطيع التعامل معها بشكل أكثر حيادية. يتدرب المريض ايضاً على انشطة بدنية هدفها تغيير تحويل المخ من مساره الانفعالي المبالغ فيه الي مسار أكثر إسترخاءا. يشمل التدريب على تمرينات التنفس، والتأمل واليوجا وتفعيل الحواس الخمسة. ان الجسد في وقت الهلع يري كل شيء على انه مصدرا للخطر ولذلك فان تمرينات التأثر تتدخل لكسر تلك الحلقة.

أخيراً، برغم أن المخ يتعرض للخلل نتيجة لخبرات سابقة سيئة يحاول بعدها يحمي الانسان من تكرارها. الا أن الهلع المرضي يُعرض صاحبه لخطر من نوع آخر، بل وقد يحرمه من حياة حرة وكريمة. فكم من شخصا فقدنا علمه لآنه انهزم امام هلعه من التحدث العام ولم يشاركه مع العامة؟ وكم من فنان موهوب لم نستمتع بإبداعه لأنه هاب الوقوف علي خشبة المسرح؟

القلق الطبيعي يُحفز على النجاح ويحفظ الحياة. لكن لقلق المرضي يعطل الحياة آو ربما يقتلها كلية لأنه يشكل خطراً وجودياً علي هوية وقدرات وطموح صاحبه. إذا كان قلقك يحرمك من فعل ما تحب أو يقيد حياتك، ابحث عن العلاج واكسر قيود خوفك.


4 views0 comments

Recent Posts

See All

بقلم: أميرة عيسي اختصاصية في التعديل السلوكي والعلاقات الاجتماعية الخطأ الأول: الانتقاد المباشر والمستمر كثير من الإباء والامهات يظنون ان توجيه الانتقاد المباشر للطفل يساعده عليَ تصحيح اخطاءه. برغم ان

Post: Blog2_Post
bottom of page