top of page

وللإدمان ابعاداً اخري لم نكن نعرفها واشكالاً حديثة لم نكن نتوقعها!


ربما قد تعرف هذا الذي يقسم أنه يحب زوجته ويشهد بجمالها ولكنه لا يستطيع التوقف عن مشاهدة الأفلام الإباحية. أو هذا الذي يشجب تناول المخدرات والخمور ولكنه لا يتحمل فكرة الابتعاد عن علبة سجائره، بل قد يصير عدوانيا مع لآخرين إذا اضطر أن يمتنع عن التدخين لسبب أو لآخر!

لماذا البعض منا يستمر في نهج سلوكيات يعرف يقيناً انها مضرة له ولمن يحبونه؟ لماذا كلما قرروا الامتناع عنها، فشلوا وازداد الاحساس بالخزي والضعف مع كل محاولة؟ هل يوجد بداخل كل منا عدة اشخاص لهم نوايا ورغبات متصارعة؟ شخص يحب الله ويشتاق لإرضائه وللعودة اليه(الروح)، وشخص يُحكِم الأدلة ليميز الخير من الشر(العقل)، وشخص يسعي وراء المتعة ويضعف امام مغريات الحياة (الجسد)، وشخص يبحث عن الأمان والحب في نظرات وتصرفات الآخرين تجاهه(القلب)؟ وشخص يحتاج إلى الأضواء لكي يشعر بأهميته (الأنا)؟

كيف تعرف أي شخصٍ منهم أنت؟ ومن يجب أن يكون الحاكم علي هذه المجموعة العجيبة التي لا تكف عن الجدل وتبادل الاتهامات؟ هل نفقد هويتنا الحقيقية ونصبح مساقين عندما يقود مقاليد الحكم علينا أضعف الأشخاص داخلنا وأقلهم حكمة؟ والسؤال الأهم، كيف نثور ضد الحاكم الاحمق ونعيده الي صفوف المجموعة ليقوم بالدور الذي يناسبه فيها؟ كلنا نعاني من هذا الصراع الداخلي منذ الازل. منا من ينتصر ومنا من ينهزم! الإدمان من اكبر الأمثلة علي هزيمة الروح أمام الجسد والعواطف. في حالة الإدمان، ومع للأسف، لا تنتصر الروح ولا يحكم العقل ولا يحسم هذا الصراع لصالح المريض. في السطور القادمة، أشرح ابعاد الصراع وأشكال الادمان الجديدة .

الإدمان كما عرفناه من عشرين عاماً:

أتذكر عندما كنت طفلة كيف كانت وسائل الاعلام تحذر من خطورة الإدمان وكيف كانت آنذاك تقتصره على الكحوليات والمخدرات وكيف ان أسباب الإدمان كما فهمناها وقتها كانت اما مرتبطة بصحبة سيئة او خدعة من شخص او مجموعة لشخص اخر بدون علمه كوضع شيء في شرابه او أدوات التجميل التي يستخدمها وما الي ذلك. وبرغم أن السينما المصرية في منصق القرن الماضي قد استعرضت عادة المقامرة وأثارها السيئة علي حياة المقامر وكيف أنه يصبح محاطاً بالذل والعار نتيجتها، إلا أن مصطلح الإدمان ظل يقترن بالمواد المخدرة فقط وليس بالمقامرة أو غيرها من السلوكيات القهرية المضرة بحياة الانسان بشكل مباشر.

المفهوم الحديث للإدمان:

الإدمان هو خلل في المخ يتسم بسلوك قهري مرتبط بمحفزات نظام المكافآت وافراز مادة الدوبامين بغرض الحصول على الإحساس باللذة و/ أو التخلص من التوتر والألم النفسي من خلال انتاج دفعة سريعة وعالية من هذه المادة. لذلك فان أي من الأنشطة المقبولة اجتماعياً التي يحصل بها المخ على هذه المادة، كالألعاب الالكترونية والطعام وشبكات التواصل الاجتماعي والتسوق قد تتحول الي إدمان في حال الافراط في استخدامها أو توافر ابعاداً معينة اخري لدي مستخدمها.

البعد البيولوجي (المخ)

يحتوي دماغ الإنسان على ثلاث مسارات رئيسية لتوصيل ما يعرف بمادة الدوبامين وهي "مسارات المكافأة" الخاصة بنا والمسؤولة عن الشعور بالمتعة او الارتياح عند تناول طعام شهي او عند ممارسة الجنس او على سبيل المثال.

في حالة الإدمان، تتحول هذه المسارات للاعتماد بشكل غير متوازن وقهري على محفز في حد ذاته كالمقامرة، الهواتف الحديثة، الجنس وما الي ذلك ويتوقع المخ لحصول على دفعة عالية ومفاجئة من مادة الشعور باللذة (الدوبامين) فور البدء في تناول مادة او طعام معين او ممارسة عادة ما ثم يليها سقوط حاد في نسبته ليشعر بعدها المدمن بالحزن والندم. وأحيانا يكون هناك خللا وراثياً في كيمياء المخ ينتج عنه خلل طبيعي في افراز هذه المادة ولذلك يكون عند بعض المرضي استعداداً وراثياً للإدمان.

البعد السلوكي (الجسد)

كما نعرف من خلال نظرية السلوك الشرطية إن المخ يقوم بالربط بين سلوك معين والاحساس الملازم له باللذة ثم يبدأ في تحفيز الشخص على اتباع هذا السلوك بشكل منتظم حتى يحصل علي المتعة المتوقعة منه. وكلما انتظم السلوك وأصبح عادة، يزداد اعتماد المخ على هذه العادة للحصول على احتياجه من الدوبامين وتزداد مع الممارسة حدة وتواتر السلوك حتي يصبح اضطراريا وضد رغبة المريض نفسه ومن ثَمَّ يصير إدماناً.

الخبر السعيد هنا هو ان البعد السلوكي من الادمان يمكن علاجه عن طريق التقليل التدريجي أو المفاجئ من السلوك القهري وبالتالي يتوقف المخ عن توقع اللذة من العادة السيئة والتحريض على السعي تجاهها. ولكن في كثير من حالات الإدمان يكون هناك سببا نفسياً للوقوع في الإدمان وفي تلك الحالة التدريب السلوكي وحده لا يكفي على المدي البعيد وذلك ما سنناقشه في النقطة التالية.

البعد النفسي(القلب):

الكثير من حالات الإدمان لا تنجح على المدي البعيد باستخدام التدريب السلوكي وحده، وذلك لأن البعد النفسي عند هؤلاء هو السبب الأقوى والاعمق للمشكلة. هؤلاء المرضي كانوا ضحايا أذي نفسي و/أو جسدي في مرحلة الطفولة من داخل الاسرة او خارجها. لذلك، هم مؤهلون للإدمان كنتيجة مترتبة على اضطراب أنشطة المخ وبعض مواده والمرتبطة اساساً بفقدان البيئة الصحية والآمنة لنشأة ونمو الطفل، وبالتالي يفتقرون القدرة على تنظيم مشاعر الرضا والامل والحافز للحياة وهم لاشعورياً يبحثون عن طرق تعويض لهذا النقص. هؤلاء الأشخاص حال شفاءهم من إدمان من نوع ما، سرعان ما يصيبون بإدمان من نوع اخر. فمثلا قد يتخلص المريض من ادمان الطعام ثم سريعا ما يصبح معتمدا على الكحول او التسوق وتبدأ بذلك حلقة جديدة من حلقات الإدمان وما يترتب عليه من الام نفسية ومشكلات اسرية ومهنية. لذلك، حتى يتم الشفاء الجذري وضمان عدم وقوعهم في شكل آخر من أشكال الإدمان بعد الشفاء، يجب توفير العلاج النفسي لهم بجانب التدريب السلوكي.

البعد الاجتماعي(الأنا)

البعد الاجتماعي يشير إلي دور الثقافة المجتمعية او الدائرة الاجتماعية التي ينتمي لها كل شخص منا. وبما أننا مخلوقات اجتماعية فنحن نشعر بالتحفيز حين ننال رضا المجموعة (الضغط الاجتماعي للرفاق)، ونتبع الثقافة المجتمعية لنصبح مقبولين من الآخرين. وهنا تكمن كارثتنا الكبرى اليوم لأننا اجتماعيا قد تقبلنا سلوكيات جديدة رأيناها مفيدة ثم بدأت تتضح أن لها نفس ديناميكية المواد والأنشطة المسببة للإدمان في حال إساءة الاستخدام. للأسف الشديد، فقد توصلت الأبحاث الحديثة ان الهواتف الذكية ونظام التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي، في حال الافراط، قد يكون لها تأثير مشابه للكوكايين على المخ وإن كان أقل حدة. نحن بدأنا ،بدون أن نعي، نتوقع الحصول على دفعة عالية وسريعة من الدوبامين من تفاعلنا الالكتروني ومن اعجاب الأخرين بصورنا منشوراتنا، وقد نشعر بالهبوط الحاد في نسبته حال خيبة توقعاتنا او ابتعادنا عن هواتفنا لفترة طويلة مثلاً. لقد أصبحنا نتجاهل عائلتنا وواجبتنا لننتبه اليها أحياناً ويترك بعضنا أطفاله معها بالساعات وبلا رقابة. وبذلك أصبحوا في خطر مواجهة إدمان من نوع جديد. وحتى من منا يحاول المقاومة ،غالباً ما يضطر للخضوع تحت وطأة الضغط المجتمعي عليه وعلي أطفاله في المدرسة وغيرها.

البعد الروحي(الايمان)

لا شك أن ضعف الجانب الروحي يشكل سبباً مهماً لمشكلة الإدمان. سواء كان العامل الرئيسي للادمان اجتماعياً او كان نفسياً في الأساس او بيولوجياً او كل هذه العوامل معاً، فان سيادة الروح على الجسد والقلب والعقل والأنا هي الطريق الجذري للشفاء. صحيح ان كل العوامل السابق ذكرها تشكل عبئاً كبيراً على المريض وصحيح انها تحتاج وقت وإصرار وعلاج متعدد الأبعاد، الا أن القرب من الله وتجديد العهد معه، يمنح القوة لخوض هذه المعركة الشرسة. فعندما نتذكر أن لا سلطة لصوت داخلنا أعلي من صوت روح الله الكريمة فينا، فقد قطعنا نصف الطريق حتماً. إن اليقين ان هويتنا تبقي في علاقتنا الروحية مع الله مهما كبرت زلاتنا، يشفي الكثير من آلام النفس التي ربما لا يستطيع العلاج النفسي الطبي وحده مداوتها. اذا تذكرنا ان خالقنا يعلم بضعفنا ويسامح اخطاءنا، فسوف نسامح أنفسنا في حال حدوث انتكاسة اثناء رحلة التعافي وهي غالباً ما تحدث في معظم الحالات.


بقلم: أميرة عيسى

هذا المقال تم نشره أولاً علي الموقع الاخباري الكندي أوكسجين

لينك المقال الأصلي:





.


25 views0 comments

Recent Posts

See All

بقلم: أميرة عيسي اختصاصية في التعديل السلوكي والعلاقات الاجتماعية الخطأ الأول: الانتقاد المباشر والمستمر كثير من الإباء والامهات يظنون ان توجيه الانتقاد المباشر للطفل يساعده عليَ تصحيح اخطاءه. برغم ان

Post: Blog2_Post
bottom of page